النويري

316

نهاية الأرب في فنون الأدب

وسلم : أخفوا جرسكم فإن علينا عيونا ، وقدّموا ذوى أسنانكم فيكونون هم الذين يلون كلامنا منكم ، فإنا نخاف قومكم عليكم ، ثم إذا بايعتم فتفرّقوا إلى محالكم . فتكلَّم البراء بن معرور ، فأجاب العباس ، ثم قال : ابسط يدك يا رسول اللَّه ، وكان أوّل من ضرب على يد رسول اللَّه البراء بن معرور - ويقال : أبو الهيثم بن التيهان ، ويقال : أسعد بن زرارة - ثم ضرب السبعون كلَّهم على يده وبايعوه ، فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : « إنّ موسى أخذ من بني إسرائيل اثنى عشر نقيبا فلا يجدنّ منكم أحد في نفسه أن يؤخذ غيره ، فإنما يختار لي جبريل » ، ثم قال « 1 » للنقباء : « أنتم كفلاء على غيركم ، ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم ، وأنا كفيل على قومي » ، قالوا : نعم ، قال : فلما بايعوا وكملوا ، صاح الشيطان على العقبة بأبعد صوت سمع : يا أهل الأخاشب ، هل لكم في محمد والصّبأة معه قد اجتمعوا على حربكم ، فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : « انفضّوا إلى رحالكم » ، فقال العباس ابن عبادة بن نضلة : يا رسول اللَّه ، والذي بعثك بالحقّ لئن أحببت لنميلنّ على أهل منى بأسيافنا ، وما أحد عليه سيف تلك الليلة غيره ، فقال رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم : « إنا لم نؤمر « 2 » بذلك فانفضّوا إلى رحالكم » ، فتفرّقوا إلى رحالهم ، فلما أصبح القوم غدت عليهم جلَّة قريش وأشرافهم حتى دخلوا شعب الأنصار ، فقالوا : يا معشر الخزرج ، إنا بلغنا أنكم لقيتم صاحبنا البارحة ، وواعدتموه أن تبايعوه على حربنا ، وأيم اللَّه ما حىّ من العرب أبغض إلينا إن شبّت « 3 » بيننا وبينه الحرب منكم ، قال : فانبعث من كان هناك من الخزرج من المشركين يحلفون لهم

--> « 1 » عبارة ابن سعد : « فلما تخيرهم قال للنقباء » الخ . « 2 » في الأصل : « إنا لن نأمن بذاك » ، والتصويب من ابن سعد . « 3 » في ابن سعد : « تنشب » .